فخر الدين الرازي

143

تفسير الرازي

طعمها ؟ قلنا : إن الواقع في الضرر العظيم ربما استروح منه إلى ما يقاربه في الضرر ، فإذا جوعهم الله الجوع الشديد فزعوا في إزالة ذلك الجوع إلى تناول هذا الشيء وإن كان بالصفة التي ذكرتموها الوجه الثاني : أن يقال الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلاً لعذابهم . وعلم أنهم إذا شبعوا فحينئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب ، فعند هذا وصف الله شرابهم ، فقال : * ( ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم ) * ( الصافات : 67 ) قال الزجاج : الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره ، والحميم الماء الحار المتناهي في الحرارة ، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من ذلك الحميم ، فيحنئذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما . واعلم أن الله وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها كونه غساقاً ، ومنها قوله : * ( وسقوا ماء حميماً ، فقطع أمعاءهم ) * ( محمد : 15 ) ومنها ما ذكره في هذه الآية ، فإن قيل ما الفائدة في كلمة * ( ثم ) * في قوله : * ( ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم ) * ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أنهم يملأن بطونهم من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم فيعظم عطشهم ، ثم إنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب ، والثاني : أنه تعالى ذكر الطعام بتلك البشاعة والكراهة ، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه ، فكان المقصود من كلمة ثم بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول ، ثم قال تعالى : * ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) * قال مقاتل : أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم ، وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ، وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل الشرب كما تورد الإبل إلى الماء ، ثم يوردون إلى الجحيم ، فهذا قول مقاتل ، واحتج على صحته بقوله تعالى : * ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن ) * ( الرحمن : 43 ، 44 ) وذلك يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم في أكلهم وشربهم قال : * ( إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون ) * قال الفراء : الإهراع الإسراع يقال هرع وأهرع إذا استحث ، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعاً في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم ، والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك ابتاع الدليل ، ولو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفي . ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له في كفرهم وتكذيبهم ، فقال : * ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين ) * فبين تعالى أن إرساله للرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف ، ويجب أن يكون له صلى الله عليه وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ، ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا ، فليس عليه إلا البلاغ . ثم قال تعالى : * ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) * وهذا وإن كان في الظاهر خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب على قوم نوح وعلى عاد وثمود وغيرهم ، فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن